.... الموقع قيد الانشاء close

المقالات

(0) التعليقات - (6016) القراءات

" آرزي و قنبر "..

زاهد البياتي – كاتب وباحث

من الحكايات الشعبية العراقية العابرة للحدود
قصة حب تركمانية
 " آرزي و قنبر "
مدخل :
نزولا عند رغبة احد الزملاء في صحيفة الصباح بالكتابة في التراث التركماني ، كتبت هذه المقالة التي لم اكن أتوقع الاقبال على قراءتها ونشرها وتداولها من قبل العديد من الصحف والمواقع الالكترونية الرصينة  مثل صحيفة الصباح  ، المثقف ، العراق اليوم ، كتابات ، وغيرها بالاضافة الى تداولها من قبل العديد من مواقع التواصل الاجتماعي والتي نالت استحسانا  ، مما بعث في نفسي الغبطة والسرور ليس لانها انتشرت  باسمي وانما  استحواذ المقالات التي تبحث في موضوع تراثي تركماني على اهتمام القراء العراقيين والعرب .. الأمر الذي يدعونا ويدعو كتابنا للعناية بهذا الجانب التراثي .. مع التحية ..
الحكايات الشعبية المتوارثة باعتبارها مرآة ساطعة تعكس مدى الاحاسيس والمشاعر الانسانية الصادقة والنبيلة في مناشدة الخير والمحبة والآمان بين أفراد ومجتمعات الشعوب والامم وفي الحقب التاريخية المختلفة ، والصراع الأزلي القائم بين تلك القوى الخيرة وبين قوى الشر والكراهية والعدوان من أجل اسعاد المجتمعات وبث الحياة والوئام والسلام كما اليوم يواجه العراقيون انواعا مختلفة من قتل الحياة واشكالا عديدة من الكراهية المفخخة والناسفة لمشاعر الحب في قلوبهم  واستهداف انسانيتهم  بعد مصادرة احاسيسهم وايمانهم .
ومخزون التراث الشعبي العراقي مليء بحكايات وقصص الحب الشفاهية مجهولة المصدر التي كان يقبل على سماعها الشباب والأطفال حينما كانوا يلتفون حول جداتنا في اماسي الصيف وليالي الشتاء وينصتون اليهن بشغف بالغ وهن يحكين قصص الحب المثيرة آنذاك وبشكل يوازي ما يتم تداوله اليوم عبر الفيس بوك والتويتر وغيرها من شبكات النت والتواصل الاجتماعي ، ولربما يضاهي مسلسلات التلفزيون وافلام السينما التي يتم متابعتها في عصرنا هذا ! ومن تلك الحكايات الشعبية  قصة حب ( آرزي  وقنبر ) التي اعادنا الى الغور بها من جديد هو عثور الباحث محسن حسن علي البياتي على مخطوطة عراقية لتلك الحكاية في مكتبة المتحف العراقي قبل اسابيع قليلة ، مكتوبة باللهجة التركمانية العراقية ذات الحروف العربية والتي يعود تاريخ كتابتها الى اكثر من" 365 "عاما ، ليضع حدا للجدل القائم على أصل الحكاية ومنذ أكثر من نصف قرن بين عدد من الباحثين الفلكلوريين العراقيين المختصين بهذا الجانب ما رجح كفة المنادين بعراقية الحكاية عن اعجميتها ، حيث اوضح لنا السيد محسن وهو خبير آثاري عمل أكثر من ثلاثين عاما في المتحف العراقي بأن المخطوطة التي تتكون من 28 صفحة ، ذيلت بتوقيع  (الملا محمد – طوز خرماتو  1068 هجرية ) .
وتعد " آزري وقنبر " من أكثر الحكايات الشعبية شهرة وتداولا في الاوساط الشعبية العراقية وخاصة بالمناطق التي يقطنها المكون التركماني ، والتي كتب عنها كبار الباحثين العراقيين التركمان امثال الراحل د. ابراهيم الداقوقي ، الراحل د. عبد اللطيف بندر اوغلو ، الباحث الكبير عطا ترزي باشي ، والباحث د. محمد مردان وغيرهم كثير .
تعتبر حكاية آرزي و قنبر من الحكايات الشبيهة بقصة حب مجنون وليلى ، وشيرين - فرهاد وغيرها من الحكايات الشعبية التي تتداولها الألسن منذ مئات السنين  ، وهي من الحكايات العابرة للحدود الى دول الجوار كايران وتركيا واذربيجان والدول الناطقة بالتركية والفارسية ، الأمر الذي جعلها مثار جدل عميق بين الباحثين الفلكلوريين وبالأخص عندما رجح الراحل د. ابراهيم الداقوقي بأن تكون الحكاية التي سمعها من بعض الشيوخ والعجائز في قصبة داقوق قد تكون غير عراقية حينما أشار الى ذلك في كتابه "فنون الادب الشعبي التركماني " عام 1962.
في حين كان الباحث الفلكلوري عطا ترزي باشي أول من خالفه الرأي مؤكدا عراقية الحكاية حينما دونها على لسان أهل كركوك ونشرها في كتاب باللهجة الكركوكلية بطبعتين  عامي 1964 ، 1967 والحقها بطبعة ثالثة بالحروف اللاتينية عام 1971.
اما الأديب الراحل د.عبد الطيف بندر أوغلو ، فقد كان متناغما مع رأي ترزي باشي ، بالاصرار على عراقية الحكاية حينما نشرها في جريدة يورد الوطن عام 1992 بعد أن تم تدوينها على لسان زوجة عمه هيبت خاتون ، بلهجة قضاء طوز خورماتو .
فيما اعتمد الباحث د. محمد مردان ، في نشر الحكاية ذاتها بكتاب حمل نفس العنوان عام  2008 ، فنقل أصل الحكاية المنشورة من قبل ترزي باشي لتطابقها مع رواية والدته التي كانت تحدثهم بها مع اخوته حينما كانوا صغارا يجلسون حول منقلة الفحم في ليالي الشتاء ، ولكنه أضاف لها وأغناها بدراسة مسهبة في ضوء المنهج المورفولولجي .  
وتدور الحكاية "الملحمة الشعرية " حول قصة حب بين قلبي شاب يتيم الأب والأم (قنبر) مع ابنة عمه ( آرزي ) منذ الطفولة ، سيما بعد تعاهد والديهما على تزويجهما منذ الطفولة حين يكبران ، ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن ، بعد وفاة والديه بشكل مبكر ، فانتقل ليعمل راعيا للغنم عند عمه ، ولكن زوجة عمه تلعب دورا خبيثا لتفريقهما والحيلولة دون زواجهما !
ومن شدة عشقه لآرزي والهيام بها ، تحمل قنبر المزيد من الصعاب والعميق من المكابدات التي لا مفر منها الا من خلال آلة  الساز (البزق ) التي لازمته طول عشقه التي عزف عليها احلى الحانه وغنى عل أنغامها أجمل قصائده الشعرية .
وعبثا حاول قنبر ، الاقتران بحبيبته  آرزي ، الا انه فشل بسبب خبائث زوجة عمه التي كانت تكيد له وتحاول إبعاده عن ابنتها بشتى الوسائل ! وحينما قامت بتهيئة حفل الزفاف لابنتها  من شخص ميسور الحال ، بالاستعانة بعجوز شريرة لعبت دورا خبيثا في تمرير الفتن والمكائد ، لتفريق الحبيبين العاشقين ، الأمرالذي صدم قنبر بعد سنين من الاحباط واليأس ، فخر صريعا ليلفظ انفاسه الأخيرة وهو يضع رأسه في حجر آرزي ، لحبه الصادق لها ، مودعا حياته بطريقة مأساوية ولكم من هول الصدمة لم تحتمل آرزي فراق ابن عمها الحبيب فعبرت عن وفائها لصدق حب قنبر وذلك بانهاء حياتها ،  فانهار جسدها على حبيبها صريعة وهي ترسم بدمائها قصة حبها الذي أدمى قلبها قبل جسدها تناغما مع لحن الوفاء ، ليرحلا سويا كما بدءا الحياة سويا في قصة للحب الصادق والتضحية من أجل الوفاء لذلك الحب بقيت متداولة ليومنا هذا ، جيلا بعد جيل ، كجزء لا يتجزأ من الأدب الشفاهي العراقي ، الذي ربما يعكس بشكل أو بآخر عن حجم الحب الذي يحمله هذا المكون العراقي للأرض والوطن وعن مدى وفائهم لانتمائهم الأصيل الى الهوية العراقية ، وحبهم المفرط لكل اخوانهم من النسيج الاجتماعي العراقي المنوع الجميل والاخلاص لوحدة العراق .
 

... اضف تعليق

: الاسم

: البريد الالكتروني

: التعليق


Change image?

2
3
4