.... الموقع قيد الانشاء close

المقالات

(0) التعليقات - (5179) القراءات

احمد قوجا شهيد الضمير التركماني والوطن العراقي

محمد قوجا

 

 

لم يكن من السهل الكتابة عن انسان مثل احمد قوجا، ليس كونه شقيقي ويمثل الكثير بالنسبة لي فحسب، بل كونه الرجل الذي حمل ضميرا حيا في الوقت الذي ماتت فيه الضمائر، رجل وقف كالجبل الشامخ امام الطامعين في حقوق شعبه، مدافعا عن وحدة الوطن، في زمن اصبحت فيه الوطنية ورقة يتاجر به كل من هب ودب.

أنه رجل عرف معنى الانسانية وتعامل مع الكل بشهامة، انسان نموذجي قدم حياته وحياة ابنه في عمر الزهور قربانا لشعبه وحقوقه المغتصبة، بطل حمل صفات الحب والتسامح ونكران الذات، صفات باتت نادرة في وطن زرعت فيه الكراهية وتفشت فيه الانانية بشكل لم يسبق له مثيل.

عرفته محبا لوطنه، شجاعا في قراراته، قريبا لشعبه الذي ضحى من اجله وهو جزء منهم ومن اجل تراب وطنه، امتزج دمه الطاهرمع دماء ابناء مدينته مدينة الشهداء الطاهرة طوزخورماتو وهو يشاركهم في التصدي للارهاب الذي طال مدينته التي احبها وترعرع فيها وناضل بكل ما اوتي من قوة من اجلها، استشهد ومازالت الجروح التي اصيب بها بهجوم انتحاري قبل استشهاده لم تلتئم بعد.

على الرغم من مرور مايقارب السنتين على استشهاده ورغم موقعه كمسؤول مميز في الجبهة التركمانية العراقية ومسؤول في الدولة العراقية كمعاون محافظ صلاح الدين ولكن للاسف لم يلقى التعريف اللائق بمستوى تضحياته سواء في الاعلامي التركماني او العراقي عدا القناة العراقية التركمانية الفتية التي عرضت مؤخرا برنامجا خاصا سلط فيه الضوء على سيرة حياة الشهيد ، هذا ليس عتبا بقدر ما هو تشخيص لحالة يعاني منها الاعلام التركماني خاصة. لأنه عندما يكون التعامل بهذا التسويف والتبسيط مع من يضحون بارواحهم في سبيل الحقوق القومية والوطنية بعد سنين من العمل والنضال المستمر بلا انقطاع، كيف نستطيع ان نهيء اجيالا لا تهاب التضحية من اجل القضية القومية!

الشهيد احمد عبدالواحد عباس علي قوجا ابن عشيرة البيات من عائلة قوجا في طوزخورماتو احد ابناء بيرآوجلي، حمل الشجاعة كصفة متوارثة من اجداده، فجده الاكبر هو علي قوجا الذي اتصف بالقوة والشجاعة جعلته ان يضحي بنفسه من اجل ان يعيش الاخرين، فقد اناب نفسه للخدمة الالزامية في الجيش العثماني كبديل عن احد ابناء عمومته ممن كان وحيدا لعائلته، ليقع في الاسر في حرب البلقان الاولى واودع باحدى المعكسرات في اليونان، وبعد انقطاع الامل في عودته توقع الجميع استشهاده، استطاع كسر قيد اسره والخلاص بنفسه من حراس اليونان والهرب من معسكر الجيش اليوناني والعودة الى مدينته طوزخورماتو. الحالة نفسها تتكرر مع جده المرحوم عباس قوجا الذي عرف بشجاعته الغير الطبيعية في صفوف الجيش العثماني انذاك، والثقة الكبيرة والمحبة والتقدير الذي حظي به من قبل قادته في الجيش انذاك، وكل ذلك كان تقديرا له لامانته وشجاعته. حكى المروح (اماو مجيد) من ابناء مدينته موقفا له ايام العهد العثماني حيث كانا يخدمان سويا كجنود في الجيش العثماني، اذ بعد محاصرته ضمن مجموعة من الجنود في مدينة الكوت من قبل العدو وصل الخبر الى المرحوم عباس قوجا الذي سارع مجازفا ومضحيا بحياته لانقاذ رفيقه في السلاح (اماو مجيد) مخترقا تحصنات العدو على صهوة جواده دون خوف ليصل اليه ويتمكن من انقاذه من الاسر سالما، فاحمد قوجا هو ابن اولئك الابطال.

احمد قوجا لم يكن سياسيا ولا قياديا في صفوف الجبهة التركمانية بالصدفة، بل وصل الى ما وصل اليه لمبدئيته وايمانه بالقضية التي اراد من خلال مسؤوليته العمل بجد دون ملل لرفع شانها، لا بالمزايدات والشعارات ولكن بالايمان والعمل دفاعا عن حقوق شعبه الذي امن بقضيتهم العادلة فعمل جاهدا خاصة بعد توليه منصب معاون محافظ صلاح الدين في سبيل الحصول على استحقاقهم في عراق ما بعد صدام الذي صادر حقوق التركمان القومية والثقافية فضلا عن الاراضي. .

ولد الشهيد احمد عبدالواحد عباس قوجا في شهر اذار سنة 1962 في مدينة طوزخورماتو في محلة ملاصفر، من عائلة مهتمة بالثقافة، والده المرحوم كان يمتلك في بيته مكتبة غنية بالكتب بمختلف الاختصاصات التي اثرت على حياة الشهيد الثقافية فضلا عن تشجيع والده المرحوم الذي كان يهوى قراءة الكتب والاطلاع بثقافات العالم. اكمل دراسته الابتدائية في مدرسة التقدم داخلا فيها وهو يحمل جرأة الخطابة، في كل محطة من مسيرة حياته كان له حضور يتناسب مع الحدث وموقعه منه، ففي الابتدائية وهو في مقتبل العمر عرف واشتهر لدى طلبة المدرسة جميعا وهو في الصف الثاني الابتدائي من خلال احدى الاناشيد التركمانية التي كان يقرأها صباح كل يوم خميس خلال مراسيم تحية العلم ( من بير كوجوك عسكره م .. وطنيمدا كيزه رم... وطنيما كيره ني.. طوب توفه نكده ن ئه زه ره م..)ويعني (انا الجندي الصغير.. اجوب في وطني الكبير..من اراد احتلال وطني..ساساحقه بالبندقية والمدفع..

درس المتوسطة والاعدادية في ثانوية طوز للبنين، وفيها زاد اهتمامه بالشعر والادب وبدا كتابة الشعر التركماني والخوريات، اذ كتب الكثير من الاشعار التركمانية والخوريات، وشارك في الكثير من المناسبات الثقافية والدينية التي كانت تقام على مستوى المدرسة او القضاء ، وفي مهرجان الخطابة الذي اقيم في ثانوية طوز للبنين شارك بنثر عن الجهل والثقافة وحاز اعجاب استاذ اللغة العربية انذاك عدنان الطرفي الذي اثنى بقابليته الادبية من خلال اختيار الجمل والنص الادبي بشكل عام.

بعد تخرجه من الاعدادية درس في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة الموصل ، وكان تواجده في الجامعة قد فتح له الافق والمساحة الواسعة للعمل الثقافي من خلال المهرجانات التي كانت تقام في الجامعة فضلا عن نادي الاخاء التركماني، وكان تواجده واضحا في كل مناسبة وتجمع ونشاطات طلابية في الموصل من خلال ادارة وعضوية الكثير من الانشطة التي كانت تقام في مناسبات مختلفة.

بعد تخرجه من الجامعة سنة 1986 التحق بالجيش لاداء الخدمة العسكرية الالزامية، مع بداية حرب الخليج الثانية سيق مع الجيش الى الكويت بعد دخول القوات العراقية اليها، بقي هناك حتى شباط 1991 مع بدأ حرب عاصفة الصحراء وقع في اسر القوات الامريكية مع مجموعة من رفاقه بعد تطويق السرية التي كانوا ينتمون اليها بعد استسلام القوات العسكرية المرابطة خلفهم، كما يقول احد الجنود بان الشهيد وقف بوجه آمره بعدما اراد التخلص من رتبه العسكرية اثناء تقدم القوات الامريكية تجاههم مخاطبا اياه بصوت عال قائلا ( من المعيب ان تخاف وهذا الخوف يجعلك تتخلص من الرتبة التي تحملها على اكتافك فبتصرفك هذا تجعل من الجنود الذين تقودهم ينهارون نفسيا ومعنويا وهم يرون قائدهم بهذا الحال منهار) مالبث ان تخلى القائد من نزع الرتبة، وتم ترحيلهم الى معسكر رفح للاسرى العراقيين في السعودية، مكث هناك عدة اشهر حتى اعلان الاتفاق بين الطرفين العراقي والكويتي، عرضت عليه منظمة اللاجئين التابعة للامم المتحدة امكانية طلب اللجوء لاحدى الدول الاوروبية او امريكا والسفر والاقامة هناك كاحد الحقوق التي يستطيع ان يتمتع بها، ولكنه رفض فكرة السفر والاقامة في الدول الغربية على الرغم من تكرار العرض لأكثر من مره، اخرها وكما اخبر الشهيد المرحوم احمد قوجا بنفسه: (عندما وصلت الى السياج الاخير وبعبوره يعني العودة الى العراق وقبل ان اترك الاراضي الكويتية سألني مسؤول شؤون اللاجئين هل انت مصر على العودة الى بلدك المتأزم امنيا وسياسيا؟ فقلت له نعم وهذا رأيي الاول والأخير). حبه لوطنه جعله يرفض الهجرة وفضل العودة الى احضان وطنه الام.

بعد انتهاء الانتفاضة الشعبانية واستقرار الوضع الامني نسبيا بعد الاتفاق الذي ابرم بين الجانبين العراقي والكويتي عاد من الاسر سالما الى وطنه الذي لم يقبل بديلا عنه مفضلا العيش في بلده بين اشقائه وعائلته وأهله وأصدقائه فوق التراب العراقية.

نهاية سنة 1991 ومع افتتاح جامعة تكريت تم تعيينه في رئاسة الجامعة، عمل كباحث في جامعة تكريت حتى سنة 1997 قبل ان يغادر العراق متوجها الى ليبيا للعمل في احد المعاهد كتدريسي في منطقة براك الشاطئ في الجنوب، استطاع بناء علاقات واسعة مع المثقفين الليبيين الذين احبهم وأحبوه كثيرا، ورغم مرور سنوات على مغادرته ليبيا بعد سقوط الصنم عام 2003 كان اخوانه من الليبيين مازالوا متواصلين معه.

<

... اضف تعليق

: الاسم

: البريد الالكتروني

: التعليق


Change image?

2
3
4