.... الموقع قيد الانشاء close

شؤون التركمان

(0) التعليقات - (9349) القراءات

الصراع التركمانيّ الكرديّ حول كركوك... سياسة البقاء للأقوى

* سعد سلوم

بغداد - في حين يعدّ الأكراد محافظة كركوك الغنيّة بالنّفط بمثابة "قدس كردستان" إشارة إلى أهميّتها، يطالب التّركمان منذ كتابة دستور العراق الدائم 2005 بوضع خاص للمدينة يحفظ تعدديّتها الإثنيّة، لكنّ مطالب التركمان الّذين يشكّلون المكوّن القوميّ الثالث بعد العرب والأكراد، تهدّدها الانقسامات داخل الجماعة، إذ أنّهم منقسمون مذهبيّاً ما بين السنّة والشيعة مع أقليّة من المسيحيّين الكاثوليك. وبات الانقسام يشلّ آداءهم كجماعة قوميّة متميّزة، بل إنّ الانقسام كان في مقدّمة الأسباب الّتي أدّت الى سيطرة "داعش" على المناطق ذات الأغلبيّة التركمانيّة مثل تلعفر في حزيران 2014.

وفي حين لم يستطع التّركمان التغلّب على انقساماتهم والتوحّد ضدّ "داعش"، على حدّ تعبير القياديّ في الجبهة التركمانيّة العراقيّة في تلعفر قاسم قره فإنّ النتيجة تمثّلت في لجوء التّركمان الشيعة إلى المناطق الّتي تسيطر عليها قوّات البيشمركة الكرديّة، ولجوء التّركمان السنّة إلى الموصل الّتي تخضع إلى سيطرة مسلّحي "داعش"، فأصبحت المدينة (تلعفر) مثالاً عن إيلاء التّركمان أهميّة لطائفتهم أكثر من قوميّتهم، وينسحب هذا بدوره على انقسام التّركمان بين الحكومة المركزيّة في بغداد والأكراد، ويتسبّب هذا الوضع في المحصّلة النهائيّة في إضعافهم وتشتّتهم.

وفي هذا المجال، قال مسؤول الجبهة التركمانيّة في كفري شاهين توركمن أوغلو خلال حديثه مع "المونيتور": "إنّ اللّعب على وتر تقسيم التّركمان إلى شيعة وسنّة ومسيحيّين سيحقّق أمراً واحداً هو تحطيم التّركمان كقوميّة، فأوّلاً يتمّ اللّعب على وتر الانقسام الطائفيّ ممّا يضعف من الجماعة ويؤدّي إلى انقسام نخبها. ثمّ تأتي المرحلة الثانية، وهي التشتيت والقضاء على الجماعة، فهذه هي قصّتنا نحن التركمان من تقسيم إلى تشتيت".

أمّا التّركمان فيرون أنّ عدم حصولهم على السلاح كان السبب الأساسيّ في خسارتهم لتلعفر ولمدن تركمانيّة أخرى، وأنّ من حقّهم الحصول على السلاح من الجهات مثل الولايات المتحدة ودول التحالف الاخرى ضد داعش مثل ألمانيا او فرنسا، الّتي تزوّد الحكومة المركزيّة أو حكومة إقليم كردستان بهدف تحرير مناطقهم الّتي استولى عليها "داعش" وضمان حمايتها في المستقبل.

وبرّر النّاشط التركمانيّ مهدي سعدون جعفر لـ"المونيتور" هذا المطلب قائلاً: "نظراً لعدم وجود مليشيّات حزبيّة لدى التّركمان، إسوة ببقيّة المكوّنات العراقيّة والأحزاب السياسيّة، ولكون الطرف الآخر الكرديّ والعربيّ لا يفكّر سوى في حماية مناطقه. لقد كانت المناطق التركمانيّة دائماً منذ عام ٢٠٠٣ مسرحاً للعمليّات الإرهابيّة من اغتيالات واستهداف بالسيّارات المفخّخة والعبوات الناسفة وغيرها".

وطالب رئيس الجبهة التركمانيّة العراقيّة أرشد الصالحي في حزيران 2014 بـ"شمول التّركمان في العراق بالمساعدات العسكريّة الّتي أقرّتها لجنة القوّات المسلّحة في الكونغرس الأميركيّ إلى الحكومة العراقيّة"، مؤكّداً "ضرورة أن يتمّ ذلك وفق آليّة التّوافق"، داعياً وزارة الدفاع إلى "تشكيل لجنة تتولّى النّظر في آليّة صرف هذه التّخصيصات".

كما طالبت بقيّة الأحزاب التركمانيّة بالمثل، فدعا حزب "توركمن ايلي" في بيان وزارة الدفاع العراقيّة في حزيران 2014 إلى "شمول التّركمان بالمساعدات العسكريّة الأميركيّة المقدّمة إلى العراق، إسوة بالمكوّنات الأخرى وفق آليّة التّوافق، ليتمكّن التّركمان من تنظيم أنفسهم في شكل يتيح لهم الدفاع الذاتيّ عن مدنهم ومناطقهم ضدّ خطر الهجمات الإرهابيّة".

وإذا كانت مطالب التّركمان بالتّسليح قد بدأت نتيجة المخاوف من هجمات "داعش" الّذي احتلّ تلعفر المدينة ذات الأغلبيّة التركمانيّة وتهديد مدينة أخرى أيضاً ذات أغلبيّة تركمانيّة مثل طوزخورماتو، وصولاً إلى تهديد كركوك، لا سيّما بعد أن وجدوا أنفسهم من دون حماية الجيش العراقيّ أو قوّات البيشمركة، فإنّ ما فاقم هذه المخاوف هو عدم السماح لهم بتشكيل قوّات خاصّة تحافظ على أمنهم من قبل الاكراد الا اذا كانت جزء من البيشمركة ومن قبل الحكومة المركزية الا اذا كانت جزء من الجيش او الحشد الشعبي. وهذه المخاوف تفسّر إصرارهم على تشكيل هذه القوّات والمطالبة بتسليحها لمواجهة التحدّيات الّتي يواجهونها على المستوى الأمنيّ في مناطقهم المتنازع عليها، والأخرى الّتي هجّروا منها ويريدون العودة إليها مثل تلعفر.

وفي هذا السّياق، صرح رئيس مؤسّسة "إنقاذ التّركمان" علي أكرم البياتي للمونيتور أنّه "إذا ما تمّ تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق كرديّة وسنيّة وشيعيّة، فإنّ خطّة التّقسيم بين الثلاث الكبرى ستستبعد الأقليّات، وفي مقدّمها التّركمان، الّذين يعدّون أنفسهم القوميّة الثالثة بعد العرب والأكراد. لذا، فإنّ مطالبهم بالتّسليح مشروعة، إسوة بالقوميّات الأخرى، لا سيّما بعد أن أصبحت كركوك تحت سيطرة الأكراد بالكامل، بعد اجتياح داعش لمحافظة نينوى وتهديدها لمحافظة كركوك الغنيّة بالنفط بالاجتياح".

وتتمحور مطالب التّركمان في كركوك حول الحفاظ على وضع خاص للمدينة المتنازع عليها يجعلها ادارة المحافظة مشتركة بين مكوناتها من العرب والاكراد والتركمان ضمن وضع فدرالي ، إزاء المطالب الكرديّة في ضم المدينة الغنيّة لاقليم كردستان.

وتعدّ كركوك الزاخرة بالموارد والوعود بالثراء، الجائزة الكبرى لأي مكوّن ينفرد بالسيطرة عليها. وفي هذا الصدد، عدّدت للمونيتور الكاتبة والصحافيّة التركمانيّة نرمين المفتي ميزات هذه المدينة المتنازع عليها، وقالت: "تضمّ المدينة 22 في المئة من النّفط العراقيّ، عدا عن أنّها تحتوي على كميّات كبيرة من الغاز الطبيعيّ والكبريت والبنى التحتيّة النفطيّة المتكاملة. وتعتبر أراضيها من أكثر أراضي العراق خصوبة، وهي تصلح لزراعة محاصيل استراتيجيّة مثل القطن والذرة، عدا الحنطة والشعير. كما تحتوي على موارد مائيّة طبيعيّة من أنهر ومياه جوفيّة ومشاريع ريّ عملاقة تمّ البدء بتنفيذها باكراً على مراحل في خمسينيّات القرن الماضي وستينيّاته، ودخلت العمل في منتصف الثمانينيّات، ولذا، فإنّ الصراع في جوهره على المدينة هو صراع حول الثروة قبل كلّ شيء".

وفي حين يحاول التّركمان تجاوز انقساماتهم بهدف التوحّد في مطالبهم إزاء الأكراد والعرب، هناك أيضاً شعور عام لديهم بأنّ نفوذهم في كركوك يضمحلّ، وهو ما لخّصه النّاشط التركمانيّ مهدي سعدون جعفر قائلاً: "لا فرصة للتّركمان في أن يكونوا طرفاً حقيقيّاً في المفاوضات الكرديّة - العربيّة حول مصير المدينة، فالتّفاوت الكبير بين المناطق السكنيّة التركمانيّة والمناطق الأخرى من حيث الإعمار وطريقة اهتمام الحكومة المحليّة والتمييز الّذي يتعرّضون له يجعل التّركمان يشعرون بأنّهم في وضع ثانويّ غير قابل للإصلاح ما دامت سياسة البقاء للأقوى هي الّتي تحكم مستقبل المدينة".

 
 

 

* سعد سلّوم أكاديميّ وصحافيّ عراقيّ متخصّص في شؤون الأقليّات العراقيّة وحقوق الإنسان وهو رئيس قسم البحوث في كليّة العلوم السياسيّة في جامعة المستنصرية وهو أحد الأعضاء المؤسسين في المجلس العراقي للحوار بين الأديان. وتركّز منشوراته على الأقليّات العراقيّة بما في ذلك: الأقليّات في العراق (2013) ومسيحيي العراق (2014) والسياسات والمجموعات العرقيّة في العراق (2014) .

 

النصدر : المونيتور 

... اضف تعليق

: الاسم

: البريد الالكتروني

: التعليق


Change image?

2
3
4